بروكرز
مقالات رأي

أسياد المتوسط

بقلم :أمجد المطراوي

القاهرة تقطع أرجل الغرباء في البحر.. وتقبض على مفاتيح الثروات
اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان تنهي أحلام التوسع التركية في المنطقة للأبد

خبراء: الاتقاقية صحيحة وتتفق مع القانون الدولي.. والعويل التركي لا يجدي

الاتفاقية تمهد لاستخراج ثروات هائلة من أعماق المياه.. وتحول مصر لمركز اقليمي للطاقة

خطوة جريئة لا يقدم عليها إلا أصحاب القوة والقلب القوي بعثرت القاهرة كل الأوراق وأحرقت جميع الخطط التي كانت تهدف للسيطرة على ثروات البحر المتوسط دون ووجه حق، ووضع الاتفاق الأخير حول ترسيم الحدود البحرية مع اليونان كلمة النهاية في تلك الأطماع، وكتب في الوقت نفسه فصلا جديدا من الصراع حول حوض شرق البحر المتوسط، التي وجدت تركيا وحدها تبكي على اللبن المسكوب بفعل سياسات عدائية تجاه معظم جيرانها انتهت في النهاية إلا خسارتها لجميع أصدقائها دفعة واحدة.
خلال المؤتمر الذي جمع وزير الخارجية سامح شكري، ونظيره اليوناني نيكوس دندياس، أعلن الوزير المصري بكل قوة وكبرياء توصل البلدين لإتفاق حول تعيين الحدود البحرية بين الدولتين، عقب مباحثات عقداها بمقر وزارة الخارجية، وأكد الطرفان على أن البلدان تعيشان طرف تاريخيا لتحقيق سبل التعاون وتعظيم التعاون في مجال الطاقة.
ماذا يعنى ترسيم الحدود؟
بلا مقدمات كشف وزير الخارجية المصري، أن هذا الاتفاق يتيح لكل من مصر واليونان المضي قدمًا في تعظيم الاستفادة من الثروات المتاحة في المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل منهما، خاصة احتياطات النفط والغاز الواعدة ويفتح آفاقا جديدة لمزيد من التعاون الإقليمي بمجال الطاقة في ظل عضوية البلدين في منتدى غاز شرق المتوسط.
في المقابل، شدد وزير الخارجية اليوناني، على أن الاتفاق قانوني على عكس أي شيء مخالف وغير شرعي مثل ما تم توقيعه بين تركيا وطرابلس، وهي اتفاقية ليس لها وجود ومكانها سلة القمامة، على حد تعبيره.
الأهمية الكبرى في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين الدول، يرجع إلى تمكين الدولة من الاستفادة من الثروات الطبيعية في قاع البحار في المناطق الاقتصادية الخالصة للدول، ولا يحق للدول التنقيب أو استخراج تلك الثروات إلا بعد ترسيم حدودها البحرية مع الدول المجاورة.
وتعد منطقة حوض شرق البحر الأبيض المتوسط، من أغنى المناطق بالثروات خاصة الغاز الطبيعي، ومفتاح الصراع والمنافسة الاقتصادية في المستقبل، وتحديد مصير المتوسط هو بالضبط تعيين لحدود وقوة الدول في الحوض كله شماله وجنوبه، ومن يقبض على ثرواته كم يمسك بمفاتيح التحكم في كثير من الملفات الحساسة والساخنة التي أرقت المنطقة لعقود خلت.
ولتسليط الضوء أكثر على أهمية هذه الاتفاقية يكفي القول إن منطقة شرق المتوسط التي تطل عليها سواحل البلدين من المناطق الغنية بالغاز الطبيعي، ويقدر تقرير لهيئة المسح الجيولوجية الأمريكية عام 2010 وجود (122 تريليون قدم مكعب) أو 3455 مليار متر مكعب من الغاز و كذلك 1.7 مليار برميل من النفط في المنطقة.
توقعت القاهرة وأثينا العويل التركي والصراخ ، حيث بعد الإعلان عن الاتفاق سارعت أنقرة برفضها لها، وادعت أن الترسيم غير قانوني لتعديه على ما أطلقت عليه اسم «الجرف القاري التركي»، معتبره الاتفاق باطل، ووجهت بلاغ بهذا الشأن للأمم المتحدة، في محاولة لتجميل وجه النظام التركي الذي فقد احترامه في العالم وهيبته أمام شعبه.
رد الدولة المصرية الحاسم والسريع لطم المتحدث باسم الخارجية التركي الم: «إنه لمن المستغَرب أن تصدر مثل تلك التصريحات والادعاءات عن طرف لم يطَّلع أصلاً على الاتفاق وتفاصيله».
خبراء الدراسات السياسية والاستراتيجية فندوا الادعاءات التركية، مؤكدين أن «الأسس القانونية لترسيم الحدود البحرية لا تستند لمبدأ واحد، تعد أحد هذه المبادئ هو الجرف القاري الذي يعنى أن تحصل كل دولة على 200 ميل بحري، لكنه أنبه إلى أنه لا يمكن ان تطبيق ذلك المبدأ في حوض شرق المتوسط، لان عرض البحر لا يسمح لكل دولة أن تحصل على 200 ميل بحري، لافتا إلى أن عرض المسطح المائي بين مصر وتركيا 322 ميل بحري فقط، ويتراوح بين 60-70 ميل تركيا واليونان».
وأشاروا أن «ما استندت إليه تركيا في توقيع مذكرة تفاهم مع السراج لا يتماشى مع قواعد قانون البحار حيث أن ترسيم الحدود يكون بين الدول المتجاورة أو المتقابلة، وهي الحالة التي لا تنطبق على تركيا وليبيا بل أن مذكرة التفاهم قسمت البحر لنصفين نصف تركي واخر ليبي.
من حيث توقيت الاتفاق فإنه في عرف السياسية يعد ضربة معلم من لقيادة المصرية ، ودليل على مرونة وذكاء الدبلوماسية المصرية التي تدير ملف المتوسط بمشرط جراح إن جاز التعبير، فالاتفاق المصري اليوناني شكل صدمة لتركيا لأنها لم تتوقع أن يجري بهذه السرعة، كما حرصت أن تكون زيارة وزير الخارجية اليوناني مفاجأة ولم يعد لها، ومع ذلك يجب التنويه أن الاتفاقية مع أثينا لم يكن الطريق إليها مفروشا بالورود فقد كانت هناك عدة نقاط خلافية بين مصر واليونان حول حقوق بعض الجزر في ترسيم الحدود البحرية وخلاف حول البلوك 12 وهو نقطة تلاقي الحدود البحرية للدولتين، لكن تم التغلب على تلك العقبات.
بلاشك فإن التعجيل بتوقيع الاتفاق هو مذكرة تفاهم مع السراج التي قسمت البحر شقين وتجاهلت حقوق جزيرة كريت اليونانية واتاح لتركيا التنقيب في الشقين التركي والليبي.
أستاذ الدراسات الأمنية والاستراتيجية، كليانثيث كيرياكيديس، قال إن ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان يلغي اتفاق تركيا وحكومة السراج كونه يغطي بعض المناطق التي شملتها الاتفاقية.
منذ أقل من سنتين أذكر جيدا ما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسي، في تصريحات صحفية سابقة في عام 2018، حول الغاية من استيراد الغاز من إسرائيل، إن مصر تتحول لمركز إقليمي للطاقة والغاز المسال، وعجزت كغيري من المصريين على فهم مقصد الرئيس ومايرمي إليه من حديثه لكنه الأن بان وظهرت الغاية منه وأن هناك حربا كانت تجري في الأعماق لحسم معركة المتوسط والسيادة البحرية.
وأضاف الرئيس السيسي على هامش حضوره افتتاح مركز خدمة المستثمرين وقتها: «إحنا جبنا جون يا مصريين في الموضوع ده، النهاردة مصر حطت رجليها إنها تبقى مركز إقليمي للطاقة»، وهو ما فسره نواب بأنه إشارة إلى «إحراز هدف في مرمى النظام التركي».
من كل ما سبق لنكن منصفين ونعترف أن لدينا قيادة وسلطة في غاية الذكاء والحس الأمني والاستراتيجي والتفكير بعيد المدى، ويشير إلى أن مفاتيح المتوسط صارت في أيدي الفراعنة كما كانت منذ ألاف السنين، وأننا أحكمنا قبضتنا على البحرين الأحمر والأبيض وطرق التجارة فيهما، وهي كلها جهود تخدم الأمن القومي المصري، ويبعث برسالة واضحة للأخرين أن السياسة المصرية قادرة على حسم الملفات الصعبة في الوقت المناسب وقادرة على قطع أنفاس خصومها، بما لديها من خبرة وتاريخ دبلوماسي وسياسي قديم قدم الحضارة الإنسانية نفسها، وماكان ملف ترسيم الحدود إلا صفحة في كتاب الحضارة المصرية بأن مصر خلقت لتقود وأن قادتها يصنعون ولا يولدون.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء اغلاق حاجب الاعلانات