بروكرز
أراء ورؤى

الفرقان … عندما انتصر الحق في بدرالكبري

علي أبوالخير

 في كل عام عندما يهل علينا شهر رمضان المبارك، نستعيد دروسا من السيرة النبوية الشريفة المعطرة، ونأخذ منها الدروس الواجب إتباعها في حياتنا الفردية والجماعية، وشهر رمضان المبارك هو شهر الانتصارات الإسلامية الكبرى، كانت المعركة الأولى في بدر في شهر رمضان، وفتح مكة في شهر رمضان ومعركة حطين، ومعركة العاشر من رمضان التي انتصر فيها الجيش المصري على الغرور الصهيوني يوم 6 أكتوبر من عام 1973، ومن وحي هذه الانتصارات نكتب عن المعركة الأولى المهمة، وهي معركة بدر الكبرى، أو موقعة الفرقان، كما وصفها القرآن الكريم. معركة بدر الكبرى، هي أول معركة خاضها المسلمون في تاريخهم تحت قيادة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم يوم السابع عشر من شهر رمضان في أول عام هجري، ومن أهم الدروس المستفادة من تلك المعركة – وكلها دروس – العلاقة بين قائد المعركة وجنوده ، فالقائد هو النبي (ص) الذي يوحى إليه من السماء والذي لا ينطق عن الهوى، ولكنه استشار المسلمين قبل وأثناء المعركة، ونقرأ في سورة الأنفال في حديث الله سبحانه وتعالى عن معركة بدر، وهي أوَّل معركة في الإسلام بين المسلمين والمشركين، وهذه المعركة كانت بدايتها أنّ النبي (ص) استعمل أسلوب الضغط الاقتصادي على قريش، لأن قريش كانت تقوم بالتجارة بين مكة والشام، وكانت هذه التجارة تشتمل على كل رؤوس الأموال لديها، وكان الطريق يمر على المدينة، فالنبيّ (ص) أراد للمسلمين أن يتعرّضوا للقافلة التي كان يقودها أبو سفيان في رجوعها من الشام إلى مكة، كوسيلة من وسائل عرض القوة وتعويضا للمسلمين عمّا صادره مشركو مكة من الذين هاجروا إلى يثرب، لا كما يقول بعض المستشرقين إن النبي(ص) أراد أن ينهب القافلة لحاجته إلى المال، وعرف أبو سفيان بهذه الخطة، فأرسل إلى مكة يخبرهم بذلك، لأنه إذا استولى المسلمون على هذه القافلة، فإنَّ قريش ستواجه كارثةً اقتصاديةً، واستعدت قريش للحرب التي كان قادها أبو جهل وغيره من كبار المشركين، ذهب أبو سفيان إلى طريق آخر ونجا بالقافلة، ووصل إلى مكة، وفي مكة اختلف الرأي، بين من قال باستكمال الاستعداد لمحاربة النبي، لأن القضية أصبحت قضية خطر على مقدّراتهم الاقتصادية، وبين من قال إنّه ما دمنا استطعنا أن نحصل على أموالنا، فليس من الضروري أن ندخل في حرب مع المسلمين من أهل يثرب وتغلّب. عرف النبي عليه السلام أنّهم يخطّطون للحرب، فجمع المسلمين يستشيرهم ، وكان المسلمون يعيشون نقاط الضعف أمام قريش، لأن قريش كانت تمثِّل العشيرة أو الفريق الذي يتميَّز بالزعامة الاقتصادية، من خلال زعامتها لمكّة التي فيها زعامة الكعبة، والتي كان يأتي إليها كل الناس من كل مكان، لأنّ الناس كانوا يأتون ويتبضعون من مكّة، وكذلك الزعامة الثقافية، لأن كل الشعراء والخطباء كانوا يأتون إلى سوق عكاظ ليلقوا قصائدهم وخطبهم، لذلك كانت قريش تمثل قوّةً في المنطقة، لا في مكة فحسب، بل مع العشائر الموجودة في شبه الجزيرة العربية آنذاك، لذلك كان المسلمون، ولاسيّما الذين لم يسبق لهم أن دخلوا في حرب مع قريش، لا يملكون العدَّة والعدد، ولم يكن عندهم إلا بعيران، والسلاح أيضاً كان محدوداً جداً والعدد محدود، بينما قريش انطلقت بكلِّ أبّهتها وعظمتها وسلاحها، وكان المسلمون يمثلون بالنسبة إلى قريش الثلث في مقابل الثلثين، فالمسلمون كانوا حوالي الثلاثمائة ونيّف، بينما كان القرشيون أكثر من ألف، وكان معهم السيوف والخيل، وقد قام القرشيون آنذاك بعملية استعراضية مع نسائهم وقاموا بقرع الطبول، بينما كان النبي(ص)، وبحسب طريقته، يستشير أصحابه، لأن الله تعالى قال: (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكَّل على الله)(آل عمران/159)، فجمع أصحابه في هذا المقام فكانوا فريقين، ويحدّثنا الله تعالى عن هذا الجوّ، أي عن الجدال، بقوله تعالى في سورة الأنفال: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق)، لتأكيد قوة الإسلام، (وإنّ فريقاً من المؤمنين لكارهون)(الأنفال/5)، نتيجة ما يعيشونه من الرهبة أمام قوة المشركين، قوة قريش. ولكن هناك رسالة يريد الله تعالى لها أن تنتصر، ومن الطبيعي أن أغلب العرب عندما انطلق النبي(ص) بالدعوة امتنعوا عن الإيمان بالإسلام، لأنهم رأوا أن قوة قريش أكبر من قوّة النبي، والناس دائماً يسيرون مع القويّ، والله تعالى خطَّط لهذه المعركة حتى ينتصر المسلمون على قريش، فإذا انتصروا شعرت القبائل العربية بأن هناك قوتين متعادلتين، أو أن القوة أصبحت مع النبي(ص)، ولذا يقول تعالى: (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين* ليحقَّ الحق) وهو الإسلام، (ويبطل الباطل) وهو الشرك، (ولو كره المجرمون)(الأنفال/6-8)، وقام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله، لن نقول لك كما قال قوم موسى لموسى (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون)(المائدة/24)، بل نقول لك اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله يا رسول الله، لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، وتشجع المسلمون وتهلل وجه النبي، وهنا يحدّثنا الله سبحانه وتعالى عن جوِّ المسلمين عندما دخلوا المعركة: (إذ تستغيثون ربَّكم)، أي إنّ هؤلاء الخائفين صاروا وجهاً لوجه أمام المعركة (فاستجاب لكم أني ممدّكم بألف من الملائكة مردفين)(الأنفال/9)، مردفين يعني يتبع بعضهم بعضاً، (وما جعله الله إلا بشرى)، أي إنّ الله لم يرسل الملائكة حتى يقاتلوا، ولكن ليعطيهم قوّةً روحية ومعنوية، (ولتطمئنَّ به قلوبكم) حتى تحصلوا على الثقة المعنوية، (وما النصر إلا من عند الله إنّ الله عزيز حكيم)، ومن جهة أخرى، أراد الله تعالى أن يقوِّي لهم نفسيّتهم (إذ يغشاكم النعاس أمنة منه)، فقد ألقى عليهم النوم، لأنهم كانوا متعبين وعندهم حالة قلق، والنوم مع القلق والتعب يجعل الإنسان يشعر بالأمان، (وينـزل عليكم من السماء ماءً ليطهّركم به)، فالكثير قاموا محتلمين يريدون أن يغتسلوا من الجنابة، فأنزل الله عليهم المطر من السماء (ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام* إذ يوحي ربّك إلى الملائكة أنّي معكم فثبّتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلَّ بنان)(الأنفال/11-12)، هذه هي أول معركة انتصر فيها المسلمون بقيادة النبي، وكانت البداية الإيمانية للنصر المتوالي لإقرار الإسلام في جزيرة العرب ثم في باقي أركان الأرض، وكل مسلم اليوم في عنقه دين لشهداء بدر الأربعة عشر شهيدا، لم يروا مجد الإسلام، ولكنهم استشهدوا في سبيل إقرار الحق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء اغلاق حاجب الاعلانات