بروكرز
تحقيقاتتقاريرمقالات مميزة

صراع خاسر.. «فيروس كورونا» V.S «الاقتصاد الصيني»

كتبت: أسماء عثمان

هبوط حاد في الأسواق، وهلع عالمي من «فيروس كورونا» المدمر الذي بدأ ينتقل من دولة إلى أخرى، مواصلا شلل الاقتصاد والسياحة في آن واحد، بخسائر تفوق 160مليار دولار، لتصبح بذلك أكبر خسارة يسببها وباء في العصر الحديث، ما يترك العديد من التداعيات الاقتصادية على العالم أجمع.

وتناولت الدراسة، تطور انتشار فيروس كورونا بالصين، حيث إشارات إحصاءات منظمة الصحة العالمية، وصلت عدد الحالات المصابة المؤكدة في الصين 17 ألف و238 حالة، منها ألفين و831 حالة جديدة، و361 حالة وفاة في 31 منطقة صينية، وقد تم شفاء 475 مريضًا، بينما لا يزال هناك 21 ألفا و558 حالة مشتبه بها، وألفين و296 مريضًا في حالة خطيرة.

وحول التداعيات الاقتصادية لتفشي «فيروس كورونا» على مستوى الاقتصاد الصيني، فتوقعت الدراسة تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي، وتراجع تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتراجع العائدات السياحية، وخسائر مؤشر بورصتي الصين، وارتفاع الأعباء المالية على الميزانية العمومية الصينية، وارتفاع معدل البطالة، وتراجع تصنيف الصين في المؤشرات الاقتصادية الدولية.

وأشارت دراسة مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية لحزب مستقبل وطن، إلى التداعيات الاقتصادية لـ«فيروس كورونا» على المستوى العالمى، فانطلاقًا من مكانة الاقتصاد الصين في الاقتصادي العالمى، والتضرر الذي لحق بها جراء تفشي الفيروس، بالإضافة إلى انتقال العدوى خارج الصين لنحو 23 دولة، فإن التداعيات على الاقتصاد العالمى مؤكدة لا محالة، والتي ظهرت بوادرها من الخسائر التي حققتها العديد من البورصات الدولية بشكل ملحوظ خلال شهر يناير الماضي، وإن بدأت الآن في استعادة خسائرها نوعًا ما، ولكن تبقى ملامح التأثير وإن كان على المدى القصير على: معدل النمو الاقتصادي العَالَمي، وقِطاع التصنيع العالمى، وقطاع الخدمات، وتراجع حركة التِّجارة الدولية، وتراجع أسعار النفط.

ولا تعتمد الصين في صناعة المنتج الواحد عبر مصنع واحد وإنما تتوزع أجزاء ذلك المنتج على عدة مصانع كل منها يقوم بإنتاجه ثم يتم تجميعه وتصديره وبالتالي نالت الخسائر من غالبية مصانع الصين.

وتتمتع مدينة ووهان التي انتشر فيها الفيروس بموقع إستراتيجي في وسط الصين، وهي نقطة التقاء محورين كبيرين هما «يانجتسي» أطول نهر في آسيا الذي يعبرها من الغرب إلى الشرق والمحور الشمالي الجنوبي بكين، هونج كونج، فهي مدينة صناعية كبيرة وتعد علامة فارقة في الاقتصاد الصيني لأنها مدينة صناعية كبيرة فيبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة، واستفادت في عهد «ماو»، من إستراتيجية نقل الصناعات إلى المناطق الداخلية التي تعتبر أكثر حصانة وهي اليوم بين مراكز الصناعات المعدنية إذ تصمم فيها 60% من سكك الحديد للقطارات السريعة في البلاد.

وقدرت الخسائر التي شهدتها الشركات الصينية بالنسبة لأسواق المال في بداية ظهور الفيروس بنحو 400 مليار دولار، وعلى إثر ذلك يتوقع الخبراء تأثر الناتج المحلي للصين بقرابة 5% (نصف بالمئة) وذلك نتيجة توقعات بخسائر مستقبلية لهذه الشركات.

ويتوقع أيضًا تأثير انتشار الفيروس على الناتج المحلي العالمي بقرابة 2% الأمر الذي وصف بالضربة التي قد تصيف العالم بالكامل، ما أحدث هبوط حاد بالأسواق في أوقات تفشي الأوبئة على غرار ما حدث في العام 2003 حينما تفشى فيروس «سارس» القاتل والذي أودى بحياة نحو 800 شخص في الصين، وأدى إلى انكماش الناتج المحلي للبلاد بنحو 5%، ومنذ الإعلان عن اكتشاف فيروس كورونا، لم تتراجع أسواق الأسهم والسلع بالصين فقط بل امتد أثرها إلى الأسواق الآسيوية والأمريكية، على حد سواء، تراجع مؤشر «شنجهاي» بنحو 3%.

مقاطعة الصين تجاريًا

يؤثر انتشار الفيروس في الصين بالسلب على أسواق العالم بالكامل باعتبارها مصدره لتلك الأسواق الأمر الذي يترتب عليه مقاطعة الاستيراد من الصين تحسبًا من انتقال الفيروس عبر البضائع ونتيجة ذلك ستعتمد الدول المقاطعه للصين على مخزونها الإستراتيجي لحين استعادة العلاقات التجارية من جديد.

ومن المتوقع أن تتأثر مقاطعة هوبي وخاصة مدينة ووهان التي نشأ وظهر فيها الفيروس الجديد لخسائر بعشرات المليارات من الدولارات، حيث إنها تضم مقر شركة «دونج فنج»، التي تعد واحدة من أكبر شركات صناعة السيارات في الصين.

ويبلغ حجم اقتصاد المقاطعة التي يبلغ تعداد سكانها 11 مليون نسمة ما يقارب 224 مليار دولار، وهو ما يمثل 2% من الاقتصاد الصيني، وفي حال تفشي المرض أكثر فأكثر فأن اقتصادها سوف يتدمر كليًا.

وتعد الصين أكبر سوق عالمي تنتشر منتجاتها في أرجاء العالم، مما أثر على حركة التجارة الداخلية فيها، وبينها وبين الدول الأخرى خلال الأسبوعين الماضيين، وأبرز تلك الخسائر انخفاض مؤشرات الأسهم الصينية بنحو 3% في ختام تعاملات الأيام الماضية وتعرض مليارديرات العالم لخسائر ضخمة، حيث خسر أكثر 5 مليارديرات نحو 4.8 مليار دولار.

إغلاق المصانع وحظر على المدن

أدى انتشار الفيروس إلى إغلاق المصانع وفرض كردون على المدن، ومد الإجازات بتوجيهات الحكومة الصينية للحد من انتشاره ومن حجم الإصابات والوفيات والخسائر التي تنزفها ولا سيما أن مد الإجازات وإغلاق المصانع يؤثر على الإنتاج ويضر بالاقتصاد، تأثرت الانتقالات بين مدن الصين فالجميع يلتزمون منازلهم خوفا من التقاط العدوى من المصابين وطبيعي ألا تكون هناك رحلات ما ضرب السياحة الداخلية التي انخفضت بنسبة 55%.

وخشية من انتقال الفيروس، فوجئت الصين بحظر جوي في مقاطعة رسمية من بعض الدول للطيران من وإلى الصين، وبحسب الخبراء فإن معدل السياحة العالمي للصين سوف يتأثر بنحو 10%، وعلى مستوى السياحة، فقد حذر مجلس السياحة والسفر العالمي من تأثير انتشار «فيروس كورونا» على اقتصاد السياحة طويل الأمد على السياحة العالمية.

وقالت رئيسة المجلس، إن مع زيادة انتشار الفيروس قد يتسبب في خسائر بالمليارات على غرار انتشار فيروس إنفلونزا «إتش 1 إن 1» في2003، والذي سبب أضرارًا اقتصادية بنحو 55 مليار دولار، وفقًا لصحيفة «ذا جارديان» البريطانية، وعصفت الخسائر الاقتصادية في مجال السياحة بسبب إنفلونزا الطيور بتراجع دخلها بـ25%، وخسارة 2.8 مليون وظيفة.

ومن الخسائر الاقتصادية غير المباشرة تضرر الصينيين في الخارج البالغ تعدادهم 150 مليون شخص، ويصل حجم إنفاقهم بنحو 277 مليار دولار، وكانت قد قررت الصين حجز 35 مليون صيني قادم من الخارج لقضاء عطلة عيد الربيع ورأس السنة الصينية ومنعهم من السفر على المرض، وهو ما سبب خسائر اقتصادية ومالية لهؤلاء بمنعهم من العودة لأعمالهم في خارج الصين.

والخسائر الاقتصادية لم تكن بعيدة عن قطاع النفط، حيث ذكر مصرف «جولدمان ساكس» أن فيروس كورونا الجديد قد يتسبب في تراجع الطلب على النفط، بنحو 260 ألف برميل يوميا، ما قد يتسبب في تراجع أسعار النفط بنحو 3 دولارات.

ومن جانبها قالت دكتورة هدى الملاح، مدير المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، إن مخاطر تفشي مرض «كورونا» على الاقتصاد العالمي سوف يكون له تأثير على انخفاض النمو، وخصوصًا التأثير السلبي عل رأس المال البشري، مشيرة إلى أن في حالة تزايد عدد الوفيات سوف يؤثر ذلك على التنمية والأيدي العاملة والقوى العاملة وسوف يؤدي ذلك إلى نقص الإنتاج والإنتاجية.

وأوضحت مدير المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، في تصريحات لـ«الإخبارية»، أن من المتوقع أن يؤثر ذلك بالسلب على الاقتصاد العالمي، ويكون له تأثير على المجتمعات والنظم الاقتصادية وانخفاض معدل النمو نتيجة الأعداد الكبيرة سواء في الوفيات وحالات المرضى المصابين بـ«فيروس كورونا».

وتابعت «الملاح»، إن بالنظر إلى الاقتصاد العالمي، نجد أن الصين ثاني دول العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، في استهلاك النفط فهي دولة مستهلكة مستوردة  للنفط بكميات كبيرة وعندما يتفشى المرض وينتشر بهذه الطريقة سوف يكون له تأثير كبير في انخفاض إنتاج المصانع بسبب هذا الفيروس وترحيل الموظفين الأجانب إلى بلادهم خوفا من العدوى، بالتالي يتم إغلاق المصانع مما يعود سلبا على نقص الإنتاج ونقص التصدير.

وأكدت «الملاح»، أن تعامل مصر مع «فيروس كورونا» كان في غاية الاحترافية، مشيرة إلى أنه حان الوقت لتعميق الصناعة والاهتمام بها لزيادة المنتج المحلي وزيادة القدرات التنافسية للصناعات المحلية وارتفاع الصادرات وتنويعها وتقديم تيسيرات لأصحاب المصانع المغلقة لأن هنآك عدد كبير من المصانع تم إغلاقها بسبب ارتفاع أسعار النفط والكهرباء، فيجب إزالة جميع العقبات التي تواجه أصحاب المصانع سواء مشاكل تمويلية وبالتالي يكون لها تأثير على الدخل والإنتاج والإنتاجية.

وأضاف دكتور خالد الشافعي خبير اقتصادي ورئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية، أن الاقتصاد العالمي تضرر كثيرا بتفشي «فيروس كورونا» والأسواق هبطت بصورة ملحوظة، وارتفع الطلب على الملاذات الآمنة، لكن تأثير ذلك على الاقتصاد الوطني سيكون محدود جدا، مضيفًا أن أغلب لسلع الصينية في الأسواق هي سلع معمرة وطويلة الأجل، مما يحقق بقائها في الأسواق نظرًا لأن أغلبها مدخلات إنتاج فى مراحله المختلفة إضافة إلى منتجات تامة الصنع ولها بدائل، وغالبا مخزونها يكفي مدد طويلة، فلا يوجد أي تأثير، مؤكداً لا أعتقد أن يحدث تأثير لخفض الواردات من الصين، حتى وإن حدث فهناك بدائل محلية، وكذلك صفقات الاستيراد تتطلب مدد زمنية طويلة، وفترة ظهور «فيروس كورونا» لم تتخطي شهرين، لذلك لا داعي للقلق من هذه النقاط.

وأكد الخبير الاقتصادي، في حديثه لـ«الإخبارية»، أن الاقتصاد المصري لن يتأثر بشكل واضح بسبب «فيروس كورونا»، إلا في ملف واحد فقط وهو السياحة، فهناك 800 ألف سائح صيني تقريبًا وفق الأرقام والتقديرات، مما يجعل وقف رحلات الطيران مع الصين حيوي وهام جدًا ورغم إن له أثارًا سلبية لكنها لا تقارن بحجم الآثار التي يمكن أن تنجم عن السماح بدخول السياح من الصين.

وأشار «الشافعي» إلى أن فيروس كورونا يهدد الاستقرار الاقتصادي للصين، والقارة الآسيوية كاملة وبالفعل هناك مؤشرات لمثل هذا التأثير السلبي على الاقتصاد وبدأت الأسهم الآسيوية تتراجع مما انعكس على كافة بورصات العالم، فالاقتصاد يتأثر بأي حدث أو اضطرابات سياسية أو أمنية أو حتي بيئية، موضحًا أن الصين صاحبة الحصة الأكبر في الاقتصاد العالمي، لذلك الاضطرابات التي وقعت في الصين جراء هذا الفيروس انعكست على أداء الاقتصاد العالمي وليس الصيني فقط، وبدأ المستثمر يشعر بقلق جراء انتشار الفيروس ومن ثم لجأ إلى الملاذات الآمنة.

وأشار إلى أن الانتشار الواضح للفيروس، تسبب فى زيادة الطلب على المعدن النفيس عالميًا وهو الذهب مما سبب ارتفاع 1.5% في المعدن، نتيجة إقبال المستثمرين على شراء الذهب خوفا من تفاقم الأزمة الصينية ومن ثم مزيد من الاضطرابات لاقتصادها والذى تطالع أغلب الدول.

وقال حسن الأحمري، كاتب ومحلل اقتصادي، إن فيروس كورونا يضر بشكل كبير عدة قطاعات اقتصادية بشكل مباشر وغير مباشر من أهمها: «القطاع الصحي وقطاع التأمين، والقطاعات الأخرى كقطاع النقل فإنه سيتأثر بشكل كبير بسبب إلغاء العديد من الرحلات من وإلى المناطق الموبوءة» مشيرًا هذا الامر سينعكس سلبًا على أداء شركات الطيران الأمر الذي سينعكس أيضا على أسعار النفط.

وتابع «الأحمري»، أن الأمر الآخر فإنه في مثل هذه الحالات فإن العجلة الاقتصادية ستتأثر وبالتالي من المتوقع أن يحدث تباطؤ في النمو خلال العام نتيجة لتوقف عدد من القطاعات، وتأثرها بالوباء، وبخاصة إذا كان الوباء منتشر بقوة في دولة عظمى اقتصاديا كالصين، فإنه وبلا شك ستتأثر معظم الدول المرتبطة اقتصاديا بها، ويحدث هناك خلل في الميزان التجاري بين الدول.

وأضاف «الأحمري» أن بعض الدول ستضطر لإيقاف الاستيراد لبعض المنتجات من الصين والدول المتضرر وتعويض ذلك إما بفتح قنوات مع دول أخرى أو زيادة الإنتاج المحلي، وزيادة الإنتاج المحلي بلا شك الخيار الأفضل الأمر نظرا للإيجابيات المتعددة المتمثلة في خلق فرص، وظيفية جديدة وزيادة الإنتاج المحلي، وربما مستقبلا في حال وجود فوائض إنتاجية تزيد صادراتها للدول الأخرى.

وأكد الخبير الاقتصادي، أن هذا التسلسل يعود إلى النقطة الرئيسية في الاقتصاد الحديث، وهو الترابط بين الدول المختلفة رغم البعد الجغرافي، فالمرض منتشر في الصين بشكل كبير لكن الأضرار، قد تلحق بالشركات في السعودية نتيجة للعوامل الآنف ذكرها، ولن تكون الدول الأخرى في معزل أيضًا، لكن الضرر سيلحق بها بلا شك، والذي يتابع الأسواق العالمية يجد أن انخفاضًا واضحًا على المؤشرات خلال الأيام الماضية بسبب انتشار المرض والقلق المحيط بها بعد إعلان منظمة الصحة العالمية حالة الاستنفار بعد انتشاره بشكل واسع.

وتابع في ختام حديثه، أنه لا يزال هناك أملا بالسيطرة على المرض اللعين والحد من انتشاره،  والعبرة كانت بأمراض سابقة لا تقل خطورة تمت السيطرة عليها والعودة للحياة الطبيعية، ولكن من المؤكد أن الأضرار الاقتصادية ستكون واضحة في الربع الأول من هذا العام، على أمل أن تتحسن الأوضاع في الربع الثاني وبقية العام.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء اغلاق حاجب الاعلانات